السيد الطباطبائي

118

تفسير الميزان

أعني عموم الأسماء وكون مسمياتها أولي حياة وعلم وكونها غيب السماوات والأرض قضيت بانطباقها بالضرورة على ما أشير إليه في قوله تعالى : ( وان من شئ إلا عندنا خزائنه وما ننزله الا بقدر معلوم ) الحجر - 21 ، حيث أخبر سبحانه بأنه كل ما يقع عليه اسم شئ فله عنده تعالى خزائن مخزونة باقية عنده غير نافدة ، ولا مقدرة بقدر ، ولا محدودة بحد ، وأن القدر والحد في مرتبة الانزال والخلق ، وأن الكثرة التي في هذه الخزائن ليست من جنس الكثرة العددية الملازمة للتقدير والتحديد بل تعدد المراتب والدرجات ، وسيجئ بعض الكلام فيها في سورة الحجر انشاء الله تعالى . فتحصل ان هؤلاء الذين عرضهم الله تعالى على الملائكة موجودات عالية محفوظة عند الله تعالى ، محجوبة بحجب الغيب ، أنزل الله سبحانه كل اسم في العالم بخيرها وبركتها واشتق كل ما في السماوات والأرض من نورها وبهائها ، وأنهم على كثرتهم وتعددهم لا يتعددون تعدد الافراد ، ولا يتفاوتون تفاوت الاشخاص ، وانما يدور الامر هناك مدار المراتب والدرجات ونزول الاسم من عند هؤلاء انما هو بهذا القسم من النزول . وقوله تعالى : وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون وكان هذان القسمان من الغيب النسبي الذي هو بعض السماوات والأرض ، ولذلك قوبل به قوله : أعلم غيب السماوات والأرض ، ليشمل قسمي الغيب أعني الخارج عن العالم الأرضي والسماوي وغير الخارج عنه . وقوله تعالى : كنتم تكتمون ، تقييد الكتمان بقوله : كنتم ، مشعر بأن هناك أمرا مكتوما في خصوص آدم وجعل خلافته ، ويمكن أن يستظهر ذلك من قوله تعالى في الآية التالية : ( فسجدوا الا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين ) . فيظهر أن إبليس كان كافرا قبل ذلك الحين ، وأن إبائه عن السجدة كان مرتبطا بذلك فقد كان أضمره هذا . ويظهر بذلك أن سجدة الملائكة وإباء إبليس عنها كانت واقعة بين قوله تعالى : قال إني أعلم ما لا تعلمون وبين قوله : اعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ، ويظهر السر أيضا في تبديل قوله : اني أعلم ما لا تعلمون ثانيا بقوله : اني أعلم غيب السماوات والأرض .